مشروع سيران

لقد غدا التراث كذكرى بعيدة، أو ماضٍ محفوظ خلف حواجز يزوره الناس في المتاحف، أو يحضرونه كعرض على خشبة المسرح، ويغادرون وهم يشعرون بالانفصال عنه؛ أمرٌ حدث لأشخاص آخرين، في زمن آخر، ومهمتنا الإعجاب به من مسافة آمنة.

نحاول أن نقدم في “سيران” شيئاً مختلفاً. نأخذ الأرشيف ونضعه في راحتيك، ثم نمضي بك إلى الشارع حيث وقعت القصة بالفعل.

اجتمع 3 أصدقاء على حبهم لمدينة حلب، وفرقتهم الحرب بين الريف والمدينة. لكنهم عملوا على جمع أرشيف ضخم من الكتب التي قرر أصحابها الهجرة للخارج، وصور المباني التاريخية قبل قصفها، والتاريخ الشفوي للصامدين من الجيل القديم، وقائمة ضخمة من أشخاص يشكلون الذاكرة الحية لحلب.

قام الأصدقاء بنشاط بسيط من باب التسلية. فتحوا كل يوم مذكرات نعوم بخاش الحلبي، ذات السرد الضخم والمفصل للحياة اليومية، على صفحة عشوائية، وقرأوا ما فعله في ذلك اليوم من عام 1835، ثم يذهبون للقيام بذلك بأنفسهم. يزورون الحي نفسه. يشترون نفس نوع السمك. يمشون إلى نفس المنظر.

ما اكتشفناه أنه عندما تقف حيث وقف شخص ما قبل قرون من الزمان، عندما تحاول شراء ما اشتراه أو رؤية ما رآه، تكشف المدينة عن نفسها بشكل مختلف. تلاحظ ما تغير وما لم يتغير. ترى نهر قويق الذي كان يجري عبر حلب وتتساءل أين تذهب المياه عندما تتوقف المدينة عن رعايته. ترى المساحات الخضراء التي اختفت، وتسأل من قرر أن ذلك مقبول. ترى غبار الشوارع والضوضاء التي اشتكى منها الصقال قبل نحو 150 عاماً، وتدرك أن الحداثة ليست حديثة كما تظن.

هذا هو سيران. يأخذ المشروع مدخلات من كتب التراث، ويحولها إلى تجارب يومية. أربع أو خمس مجموعات صغيرة. تقرأ كل مجموعة النص الأصلي، ثم تتبع تلك الخطوات مع مرشد يعرف التاريخ والحي. يرون ما تبقى، ويتأملون ما ينقص، ويتحدثون عن السبب.

تقرأ مجموعة عن تسوق نعوم في الجلوم ومن ثم نزهته على ضفاف النهر، ثم تسير في ذلك الطريق وتكتشف أن النهر قد اختفى، والمساحات الخضراء قد رُصفت، والحي قد تحوّل.

قد تتبع مجموعة أخرى تقليداً ريفياً موصوفاً في نص قديم، فتختبر تراث الريف عن كثب، بينما يكتشف شباب المدن الذين لم يغادروا حدود المدينة قط أن القرى التي تعلّموا تجاهلها لها تاريخها الخاص المتطور، وطرقها الخاصة في الوجود التي حاولت الحرب والسياسة تفريقها.

هذا هو الأمر الآخر الذي يقوم به “سيران”، فهو يمزج الناس. أبناء الريف يتجولون في تاريخ المدينة. شباب المدن يختبرون حياة القرية. لم تدمر الحرب المباني فحسب، بل فرّقت بين من كانوا جيراناً، وحولت الانقسامات السياسية إلى انقسامات ثقافية. يمكن لمشاريع التراث أن تعزز هذه الانقسامات، معتبرةً التقاليد الريفية والحضرية ككواكب منفصلة. يضع سيران الناس على نفس المسار، يقرأون نفس الكتاب، ويلاحظون نفس الغيابات.

ما يمنع هذا العمل من أن يكون إعادة تمثيل تاريخية أو سياحة حنين هو الفجوة بين ما يصفه الكتاب وما هو موجود بالفعل الآن. تلك الفجوة هي منبع الحوار. حيث يبدأ الناس بالتساؤل: لماذا تغير هذا؟ من استفاد؟ ماذا خسرنا؟ ماذا يمكننا أن نعوض؟

هذا التراث ليس حفظاً، وإنما تفعيل. لسنا نحمي التراث من الحاضر، بل ندخله في الحاضر ليطلع الناس على كيفية إعادة البناء، وكيف يفكرون في مدينتهم وفي ثقافتهم.